قال الله تعالى: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ} [(44) سورة النــور] وقال تعالى: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [(140) سورة آل عمران]. إن الليالي والأيام خزائن للأعمال ومراحل للأعمار، تُبلِي الجديد وتقرب البعيد، أيام تمر وأعوام تتكرر، وأجيال تتعاقب على درب الآخرة، فهذا مقبل وهذا مدبر، وهذا صحيح وهذا سقيم، والكل إلى الله يسير. وهذا السير يباعد عن الدنيا ويقرب إلى الآخرة، يباعد من دار العمل ويقرب من دار الجزاء. قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: “ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل”. نسير إلى الآجال في كل لحظة *** وأعمارنا تُطوَى وهنَّ مراحل ترحّل من الدنيا بزاد من التقى *** فعمرك أيام وهنّ قلائل إنّ هذه الشمسَ التي تطلُع كلَّ يوم من مشرقها، وتغرب في مغربها تحمِل أعظمَ الاعتبار، فطلوعُها ثم غيابُها إيذان بأنّ هذه الدنيا ليست دارَ قرار، وإنما طلوعٌ وزوال. انظروا إلى هذه الشهور، تُهلّ فيها الأهلّة صغيرةً كما يولَد الأطفال، ثم تنمو رويدًا رويدًا كما تنمو الأجسام، حتى إذا تكامل نموُّها أخذت في النقص والاضمحلال، وهكذا عمر الإنسان. تتجدّد الأعوام عامًا بعد عام، فإذا دخَل العام الجديد نظر الإنسان إلى آخره نظرَ البعيد، ثم تمرّ به الأيام سِراعًا، فينصرم العامُ كلمح البصر، فإذا هو في آخر العام، وهكذا عُمر الإنسان، يتطلّع إلى آخره تطلُّع البعيد، فإذا به قد هجم عليه الموت، يؤمّل الإنسان بطولِ العمر، ويتسلَّى بالأماني، فإذا بحبلِ الأماني قد انصرم، وبناء الأماني قد انهدَم، كيف يفرح من عُمره يقوده إلى أجلِه، وحياتُه تقوده إلى موته؟ قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: “كيفَ نفرَح والموتُ من ورائنا، والقبور أمامنا، والقيامةُ موعدنا، وعلى جهنّم طريقنا، وبين يدَي ربِّنا موقفنا”. لقد ودعنا منذ أيام عاماً هجرياً، وها نحن في بدايات عام هجري جديد، وفي مثل هذه الأيام كثيراً ما يرد على ذهن المسلم الذي يعايش قضايا أمته، يرد عليه خواطر عن الهجرة وعن التاريخ، هجرة النصر وتاريخ النصر، وما كان للنصر تاريخاً وهجرة إلا أن يسطّر أحداثه بمدادٍ من نور لتقرأه الأجيال عِطراً لا يموت شذاه، ولا يجفّ نداه، تقرأه عزةً لا تذلّ، وقوةً لا تضعف، وعمراناً لا يخرب، وشمساً لا تغيب، وجمالاً لا يتشوّه على مر الدهور، وهكذا فكلّ شيء لله يبقى خالداً وجميلاً، أين عشاق الخلود والجمال؟! أين عشاق العزة والبناء؟!

from Instagram: http://ift.tt/2dg28kI
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s